فن الاختيار في التصوير: الصورة لا تلتقط بل تُصنع
في زمنٍ نرى فيه آلاف الصور يوميًا، ننسى أحيانًا أن كل صورة تحمل بصمة خفية لمصورها. ليس فقط من حيث التوقيع أو العلامة المائية، بل من حيث الرؤية، الذوق، والقرارات الصغيرة التي تُشكل النتيجة النهائية.
في مقاله العميق “الخيارات الخفية في التصوير الفوتوغرافي”، يكشف الباحث A. Hertzmann عن حقيقة غالبًا ما نتجاهلها: الصورة لا تُلتقط، بل تُصنع.
التصوير كفن لا يقل تعقيدًا عن الرسم
يرى هرتزمان أن الاعتقاد الشائع بأن “الرسم فن، أما التصوير فهو توثيق آلي” فيه ظلم كبير للفوتوغرافيا. فمثلما يختار الرسام ألوانه وخطوطه وتركيبه البصري، يفعل المصور الشيء ذاته – ولكن من خلال أدوات مختلفة:
الزاوية
الإضاءة
العمق
التوقيت
تكوين العناصر داخل الإطار
كل هذه قرارات إبداعية، بعضها يتم بسرعة البرق، لكنه يبقى فعلًا فنيًا واعيًا (أو شبه واعٍ)، يصوغ الصورة كخطاب مرئي له نَفَس وشخصية.
الاختيارات تبدأ قبل الضغط على زر التصوير
المصور لا ينتظر فقط لحظة مناسبة؛ بل يصنعها. يختار خلفية دون غيرها، يغيّر موقعه سنتيمترات قليلة للحصول على منظور مختلف، يقرّر إن كانت الصورة ستُلتقط بلون طبيعي أم بفلتر، وهل ستُعدّل لاحقًا أم تُترك كما هي.
هرتزمان يذهب أبعد من ذلك، ليؤكد أن كل صورة هي “منتج لقرارات جمالية”. حتى في التصوير الوثائقي أو الصحفي، حيث يُفترض أن الحياد هو الهدف، فإن للمصور دور في صياغة “كيف تُروى الحقيقة”.
هل يمكن أن تكون الصورة بريئة؟
من المثير للتفكير أن الصورة التي نظنها “عفوية” قد تكون محمّلة بدلالات، نتيجة اختيارات دقيقة جدًا. فالصورة لا تقول فقط “ما حدث”، بل “كيف نريد أن نُظهر ما حدث”.
مثلًا، تصوير شخص من الأعلى قد يُوحي بالضعف، بينما تصويره من الأسفل يعطيه حضورًا أقوى. تغيير بسيط في الإضاءة قد يحوّل المشهد من مبهج إلى درامي.
هنا تكمن القوة البصرية للصورة – ليس في دقتها التقنية فقط، بل في ما تختار أن تُبرز وما تختار أن تُخفي.
التصوير بوصفه تعبيرًا بصريًا واعيًا
يدعو المقال إلى التعامل مع الصورة كما نتعامل مع أي عمل فني آخر: بالتأمل والتحليل. من صنعها؟ لماذا؟ كيف صُممت؟ ما الرسالة الضمنية فيها؟
هذا لا يُنقص من جمال الصورة، بل يضيف لها عمقًا. يجعلنا نرى الصورة لا كنافذة على الواقع، بل كنص بصري له بنية ومعنى.
خاتمة: أن ترى ما وراء الصورة
إن إدراكنا للخيارات الخفية في التصوير يعيد تعريف علاقتنا بالصورة. لم تعد مجرد لحظة مجمّدة، بل بناء بصري يعكس قرارات، قيم، ورسائل.
سواء كنا مصورين أو مشاهدين، هذا الفهم يمنحنا قدرة نقدية أوسع، ويعيد لنا احترام الصورة كفنٍ له أبعاده العميقة.