خوذة على الخريطة
على طاولةٍ معدنيةٍ تملؤها آثار الطباشير والزيت، تستريح خوذةٌ صفراء على ورقٍ أزرقٍ تتشابك فيه خطوطٌ هندسيةٌ دقيقة. خلفها، يمتدّ موقع البناء صاخبًا، يختلط فيه صرير الحديد بصوت المحركات ونداءات العمّال. يبدو المشهد كأنّ الحياة تُعاد صياغتها من الصفر، حجراً فوق حجر، وعرقاً فوق عرق.
تلك الخوذة لم تكن مجرّد أداةٍ للوقاية، بل شاهدٌ يوميٌّ على معركة الإنسان مع الفراغ. حين يضعها المهندس فوق رأسه، تتحوّل الأرقام على الورق إلى جسورٍ وشوارعٍ وأحلامٍ واقعية. تحتها تنصهر الفكرة، وتولد الأبنية، وتستيقظ المدن. هي التاج الصامت الذي لا يلمع في الاحتفالات، لكنه يحمل كلّ ما يُبنى في الظلال.
تتأمّل الورق تحتها؛ خطوطٌ دقيقة تشبه نبضات القلب. هنا جدارٌ سيُقام، وهنا ممرٌّ سيمتد، وهناك نافذةٌ ستطلّ على مستقبلٍ لم يُصنع بعد. كلّ خطٍّ في تلك الخريطة وعدٌ بالاستمرار، وكلّ رقمٍ فيها يختزن حسابات الأمل والخسارة.
في الخلف، يقف العمّال بملابسهم المتربة، وجباههم المشدودة نحو الجهد. لا أحد منهم يفكّر في الشعر أو الرمزية، لكنّ كلّ واحدٍ منهم يكتب قصيدةً من عرقٍ وصبرٍ دون أن يدري. أصواتهم، حين تتعالى وسط ضجيج الحديد، تشبه موسيقى المدن حين كانت تُبنى بالحجارة لا بالكلمات.
الخوذة الآن صامتة، لكنّها تعرف أن الليل حين يأتي، سيغادر الجميع ويبقى أثر أيديهم على الخرسانة الطرية، وسيبقى هذا الورق الأزرق مطويًّا على حلمٍ لم يكتمل بعد. تعرف أن الغد سيعيدها إلى الرأس ذاته، في المعركة ذاتها، بين الشمس والغبار والضجيج.
في كلّ خدشٍ على سطحها قصةُ سقوطٍ نجا منه صاحبها، وفي كلّ لطخة طينٍ أثرُ يدٍ رفعت بناءً جديداً للحياة.
وكلّ مرةٍ تُوضع فيها على الخريطة، كأنّها تسجد احتراماً للحلم الذي يبدأ من خطٍّ، وينتهي بسقفٍ يأوي قلبًا بشريًّا.
هي خوذةٌ بسيطة، نعم، لكنّها — مثل الذين يضعونها — تعرف أنّ العظمة لا تُصنع في المكاتب، بل على الأرض، حيث تُكتب القصيدة بالحجر لا بالحبر.