سوق العتيق
في زقاقٍ ضيّقٍ يتلوّى بين جدرانٍ عتيقةٍ بلون الغبار، ينبض السوق كقلبٍ قديمٍ لا يشيخ.
تحت الأغطية القماشية المتعددة الألوان، تتدلّى المصابيح الصفراء كنجومٍ صغيرةٍ متعبة، تضيء البضاعة وتفضح تعب الوجوه. الهواء مشبعٌ برائحة البهارات، بالبصل الطازج، بالقهوة المطحونة والحديث العابر، وبشيءٍ من دفء العيش الذي لا يُشترى.
في كل زاويةٍ حكاية:
رجلٌ يزن الطماطم بميزانٍ من زمنٍ آخر، ينادي بصوتٍ أجشّ «تفضل يا كريم!»، كأن النداء ذاته قد ورثه عن أبيه وجده.
امرأةٌ ترتدي جلبابًا بلون التراب، تفاصل بصلابةٍ أنثى تعرف قيمة اللقمة، يعلو صوتها قليلًا ثم يبتسم البائع راضيًا، فيفوز الاثنان بما يشبه النصر الصغير.
صبيٌّ يركض بين الأرجل حافيًا، يحمل في يده خبزًا ساخنًا تفوح منه رائحة الطفولة، يضحك حين يتعثّر ويواصل الركض، كما لو أنّ الأرض خُلقت لأمثاله كي لا يعرفوا السقوط.
الخضار تتكدّس في الصناديق الخشبية: حمراء الطماطم، خضراء النعناع، ذهبية الليمون، وكلّ لونٍ منها يروي فصلًا من قصيدةٍ اسمها الأرض. الباعة ينادون بعضهم بأسماءٍ مختصرة، كأنهم أهل بيتٍ واحد.
من بعيد يُسمع صوت المئذنة يدعو إلى صلاة العصر، فيخفض السوق صوته قليلًا، ثمّ يعود ليتنفّس الحياة من جديد، كأنّ الدعاء كان استراحةً في منتصف النبض.
وعلى الجدران المائلة، تتدلّى لوحاتٌ من الزمن: إعلانٌ ممزّق، بابٌ صدئ نصف مغلق، نافذةٌ صغيرة يطلّ منها طفلٌ يراقب السوق بعينٍ مندهشة، كأنه يرى مسرحًا لا ينتهي.
النساء يحملن السلال، والرجال يجرّون العربات، والوجوه جميعها تحمل مزيجًا من الرضا والكدح، من التعب النبيل الذي يصنع الخبز ولا يشتكي.
وحين يهبط المساء، تخفت الأصوات وتبقى الأضواء القليلة تلمع فوق البضائع، فيتحوّل السوق إلى لوحةٍ من دفءٍ حيّ، تُذكّرك أن الحياة ليست في الأبراج العالية، بل هنا، في هذا الزقاق الضيق الذي يتنفّس من تعب الناس وصدقهم.
السوق لا يبيع فقط الطماطم والبصل، بل يبيع شيئًا من روح المدينة،
من الحنين الذي يتسلّل مع رائحة النعناع الطازج وصوت النقود في الأيدي.
هو ليس مكانًا للتجارة فقط، بل ذاكرةٌ حيّة،
تعلمك أن البساطة ليست فقرًا، وأن من يعيش بهذا القدر من الضجيج…
يعرف سرّ الصمت أكثر من الجميع.