امرأة من الرمل والريح
تجلس في صمت الصحراء، كأنّها ظلٌّ من الزمن القديم خرج من رمال الذاكرة. على كتفيها عباءة من السنين، وفي عينيها بريقُ صبرٍ نسجه الغبارُ والدهر. يلفّها السكون، إلا من أنين الريح حين تمرّ فوق وجهها الموشوم بالحياة، كأنّها تقرأ على الرمل سيرةَ قبيلةٍ كاملةٍ عبر ملامحها.
تمسك بقطعةٍ من الصوف، تديرها بين أصابعٍ نحيلةٍ خُشِنتها الأيام، وتغزل بخيطٍ واحدٍ قصةَ البقاء. لا تحتاج إلى ورقٍ لتكتب، فكلّ لفةٍ من غزلها سطر، وكلّ نسمةٍ تمرّ فوق يدها توقيعٌ من التاريخ. تدور المغزلة ككوكبٍ صغيرٍ بين كفّيها، تصنع من الوبر لحافًا للبرد، ومن الصبر وشاحًا للذاكرة.
تعلّق نظرها بما بين يديها، لا ترى إلا الخيط الممتدّ بين الماضي والحاضر، بين أمٍّ نسجت أول خيوط الصوف تحت ظلّ نخلة، وابنةٍ قد تحمل هذا الفنّ إلى زمنٍ يلبس البلاستيك وينسى الدفء.
هي لا تتحدّث كثيرًا، فالحياة عندها صارت أكثر وضوحًا في الصمت. الكلمات في عرفها تذوب سريعًا، أمّا العمل فيبقى مثل أثرِ قدمٍ على الرمل، لا يمحوه إلا الغياب.
من حولها زجاجات صغيرة فيها زيوتٌ وأعشابٌ تعبق برائحة الأرض، كأنها تحفظ فيها أرواح النباتات التي ربتها بيديها. تمدّ يدها نحوها بين الحين والآخر، فتسكب من العطر ما يشبه البركة، ثم تعود إلى غزلها كأنها تعود إلى ذاتها.
في ملامحها حكاية كلّ النساء اللواتي حملن الصحراء على أكتافهن، ومضين في صمتٍ خلف القوافل، يضمدن العطش بالحنّاء، ويخبئن الحنين تحت النقاب.
هي من زمنٍ لا يسأل عن العمر، لأنّ الزمن فيها مجرّد ضيفٍ عابرٍ يجلس عند باب الخيمة ويستأذن منها قبل أن يرحل.
تغزل الخيوط وهي تغزل المعنى،
وتصنع من كلّ شعرةٍ غزلًا يشبه النور حين يولد من الغبار.
تلك المرأة ليست فقط حارسةً للحرفة، بل ذاكرةٌ حيّةٌ للأرض،
تقول بلغةٍ لا تُسمع:
“ما دمتُ أغزل، فلن ينهزم الصمت، ولن يُنسى الجذر،
لأنّ اليد التي تعرف طريق الصوف تعرف أيضًا طريق الروح.”