رحلة على سقف الحلم

كانت المدينة تستيقظ على ضجيجٍ كثيف، كأن الأصوات تتزاحم مثل الأرواح التائهة في ممرٍ ضيّق. في محطة القطار كان الهواء ثقيلاً، يحمل رائحة الحديد والعرق واللهفة. وجوهٌ متعبة تندفع من كل الجهات، رجال ونساء وأطفال، وكلٌّ منهم يحمل في عينيه حكايةً عن انتظارٍ طويل. كان القطار الممتد كوحشٍ من حديد يلتهم الوقت والناس، وتلك المرأة بثوبها البرتقالي، تقف وسط الزحام، حقيبتها الوردية تتأرجح على كتفها، وعيناها تبحثان عن مخرجٍ من الفوضى.

لم يكن أمامها سوى القطار، ولا طريق للوصول إليه سوى التعلّق بالأمل. تقدّمت بخطواتٍ حذرة، تسمع الأصوات تتعالى من حولها: صرخات، مناداة، وضجيج أبواقٍ تخترق الصمت. ثمّ امتدّت يدٌ من فوق، يدٌ غريبة لا تعرفها، لكنها تشعّ ثقةً ونجدة. مدت يدها دون تردد، وعلقت بها كما يتشبث الغريق بخشبةٍ في بحرٍ هائج.
تسلّقها آخر من الأسفل، دفعها بقوةٍ كي لا تسقط، وكأن القدر رتّب هذا التحالف اللحظي بين غرباء، لا يجمعهم سوى غريزة البقاء.

كان جسدها يرتجف بين السماء وسقف القطار، والريح تلسع وجهها، والحقيبة تهتزّ كقلبٍ خائف. لحظةٌ واحدة فصلت بين الحياة والانزلاق، بين الوصول والغياب. عيناها تلتقيان بعيني الرجل الذي سحبها إلى الأعلى، نظرةٌ سريعة، لكنها أعمق من الكلمات، فيها امتنانٌ، ورعبٌ، ووعدٌ بالنجاة.

جلسَت فوق السطح المعدني، تتنفس بصعوبة، كأنها صعدت من بئرٍ لا قرار له. حولها وجوهٌ تتنفس اللهاث ذاته، أقدامٌ تتشبّث بالحواف، وأصواتُ تكبيرٍ وضحكٍ وبكاءٍ متداخل. كانت السماء قريبة جدًا، كأنها سقف من نورٍ يظلل هذا الجمع المعلق بين الأرض والهواء.

حين بدأ القطار بالتحرك، خفّ الزحام قليلاً، لكن في عينيها ظلت المدينة تبتعد ببطءٍ موجع. تذكّرت بيتها، وأمها التي كانت تقول دائمًا: “الطريق لا يرحم من يتأخر.” فابتسمت رغم الألم، وأحسّت أن كل ما تركته خلفها يذوب في هدير العجلات.

مدّت نظرها نحو الأفق، فرأت الغيوم تتناثر مثل قوافل من الحنين، والهواء يعصف بثوبها، يحمل عنه الغبار ويزرع فيه الخفة. كانت الرحلة طويلة، لكن شيئًا في داخلها كان يهمس: “لقد صعدتِ الآن إلى الحلم، فلا تنزلي منه.”

وهكذا، ظلّت المرأة معلّقة فوق القطار، لا تفكر في الخطر ولا في الوصول، بل في تلك اللحظة التي مدت فيها يدها فوجدت الحياة تمسك بها من حيث لا تدري.

اذكر الله
Scroll to Top