رجل النار
في قلب المصنع، حيث يختلط الحديد بالعرق، ويصير الليل نهارًا من شدّة التوهّج، يقف العامل كظلٍّ من نارٍ وعرق. أمامه تنفجر الألسنة المضيئة كنجومٍ تائهةٍ في مجرّةٍ من المعدن المذاب، والهواء حوله يشتعل برائحة الحديد المحترق. لا شيء هنا يشبه العالم الخارجي، فالأرض تئنّ من الحرارة، والسماء من الدخان، والإنسان من التعب، لكنه — رغم ذلك — يقف بثباتٍ كأنّه جزءٌ من الآلة التي تصرخ أمامه.
يضع خوذته، يحدّق في البريق الهائل، ويضغط على الأزرار كما لو أنه يُمسك بمصير الضوء نفسه. الشرر يتطاير حوله كالعصافير الهاربة من شجرةٍ أُحرقت، وهو لا يرمش. تعلّم أن لا يخاف النار، بل أن يروّضها. كلّ شرارةٍ تلمع أمامه تحمل شيئًا من وجهه — شيئًا من شجاعته، من صبره، من سنواتٍ انصهرت مثله في هذا الجحيم المعدني.
كان يقول لابنه حين يسأله عن عمله:
«أنا لا أصنع الحديد يا بني، أنا أصنع الصبر».
يبتسم، ويمسح عن جبينه العرق المتوهّج، ثمّ يعود إلى مكانه كما يعود الجندي إلى سلاحه.
الليل في الخارج بارد، لكن في الداخل الزمن يذوب مع الحديد، والدقائق تتحول إلى لهبٍ متوهّجٍ لا يمكن لمسه. رفاقه يبدّلون المناوبات، أما هو فيبقى حتى ينطفئ آخر وميضٍ في الفرن، كأنه يخاف أن تترك النار وحدها، أن تبرد قبل أن تكتمل الحكاية.
حين تنتهي الوردية، يخرج إلى الهواء الطلق، رائحته تشبه الدخان، ويداه مشقّقتان كأرضٍ عطشى. ومع ذلك، في عينيه بريقٌ صغير، بقايا من النار التي واجهها ولم تحرقه.
ينظر إلى السماء، إلى نجومٍ تلمع في البعد، ثم يبتسم كمن يقول لنفسه:
«حتى النجوم وُلدت من النار، وأنا أيضًا».
في تلك اللحظة، لا يبدو عاملاً في مصنعٍ للحديد، بل كائنًا خُلِق من الضوء والمشقّة، يسكن بين العرق والشرارة، ويعرف أنّ الجمال أحيانًا يُولد من الألم.
هو لا يطفئ النار…
بل يجعلها تتذكّر أن الإنسان، مهما اشتعلت حوله الدنيا، يبقى القادر على أن يصهرها، ويصنع منها شكلاً للحياة.