سوق الشمس
المشهد يغمره دفءٌ ترابيٌّ ذهبيّ، كأن الشمس سكبت قلبها على المكان ثم جلست تراقب ما يحدث. الأزقّة الضيقة تتنفس رائحة التمر والبهارات، والهواء يتهادى حاملاً أصوات المساومات وضحكات الباعة، وأصوات الموازين وهي تعلن عدالة الكفّ التي لا تعرف الغش.
في قلب السوق يقف رجلٌ ذو ملامح أنهكها الزمن، لكن عينيه لا تزالان تحملان صفاء الصباح. يداه المتشققتان تمسكان بكفّة الميزان، يزن بها حفناتٍ من الحمص الذهبيّ الذي يشبه الحصى المضيء، يقدّمه للآخرين بصدقٍ يشبه الطمأنينة. حوله رجالٌ ونساءٌ وأطفال، يتبادلون الكلام كأنهم خيوط نسيجٍ واحدٍ حيّ، يجمعهم الغبار والضوء والعرق والرضا.
الوجوه من حوله تتنوّع بين ابتسامةٍ صافيةٍ، وتأملٍ ساكنٍ، وانتظارٍ صبورٍ؛ وجوهٌ تشبه حجارة الوادي بعد المطر، قاسية الملمس لكنها دافئة في عمقها. الأقمشة الخفيفة الملتفّة حول الأجساد تتحرك مع نسيمٍ دافئٍ، فتبدو السوق كأنها بحرٌ من ألوان الرمل يوجّه رقصته نحو شمسٍ لا تغيب.
فوق الرؤوس تمتد مظلاتٌ من القشّ والخيش، تحجب اللهيب ولا تمنع الضوء من التسلل بخفةٍ شاعرٍ إلى العيون. هناك، بين البسط المفروشة والسلع المكدسة، يختبئ جوهر الحياة البسيطة: عرقٌ نقيّ، وابتسامةٌ مكتفية، وميزانٌ يعرف أن العدالة ليست في الكفّة، بل في القلب الذي يزن بها.
كل شيء في هذا السوق يبدو مؤقتاً إلا دفء العلاقات؛ فحين يرحل النهار ويهدأ الغبار، تبقى آثار الأقدام مطبوعةً على الرمل، شاهدةً على زمنٍ كان يُقاس بالثقة لا بالنقود، وبالكرم لا بالمكسب.
هنا، في سوق الشمس، يُباع الحمص والتمر، لكن تُشترى الحياة.