ما وراء العدسة: لماذا نصوّر؟ قراءة في أبعاد الصورة الفوتوغرافية النفسية والاجتماعية

في عالم يغمره تدفق الصور، حيث توثق الكاميرات كل لحظة، من المناسب أن نتوقف قليلًا لنسأل: لماذا نصوّر؟ ما الذي يدفع الإنسان المعاصر إلى رفع هاتفه وتوثيق كل ما يراه؟ هل نحن فقط نحفظ لحظات عابرة، أم أن في الصورة ما هو أعمق من مجرد ذكرى؟

مقال بعنوان “الصيادون والجامعون للصور: لماذا للتصوير قيمة تتجاوز التوثيق؟” يفتح نافذة لفهم جديد للتصوير، بوصفه أكثر من مجرد أداة تقنية أو عادة اجتماعية. إنه يقدّم قراءة نفسية وثقافية لتجربة التصوير، ويكشف عن الدور العميق الذي تلعبه الصورة في تشكيل ذواتنا وعلاقاتنا.


بين الصيد والجمع: أنماط داخل العدسة

يطرح المقال تصنيفًا ثنائيًا لأساليب المصورين:

  • “الصياد” هو من يبحث عن اللقطة المثالية. ينتظر اللحظة، يتحين الضوء، يتعقب الإيقاع البصري الفريد. صور هذا النمط نادرة لكنها مشحونة بالعاطفة.

  • “الجامع”، بالمقابل، يلتقط كل ما يمر به، مدفوعًا برغبة لا واعية أحيانًا في التوثيق، وكأن الصورة صمام أمان ضد النسيان.

لكن هذين النمطين لا يتنافسان، بل يعكسان كيف ينظر الناس إلى العالم عبر الكاميرا. كل واحد يعبّر عن موقف نفسي، عن علاقة خاصة بالزمن، بالذاكرة، وبالذات.


الصورة كمرآة داخلية

ليس كل ما نلتقطه يهدف للإعجاب أو المشاركة. في كثير من الأحيان، الصورة هي وسيلة لفهم مشاعرنا. صورة شجرة وحيدة، فنجان قهوة في صباح رمادي، انعكاس ظل على جدار – كل هذه المشاهد تحمل شحنة عاطفية خاصة. نحن لا نصوّر فقط ما نراه، بل ما نشعر به تجاه ما نراه.

الصورة، بهذا المعنى، ليست مجرد مستند بصري، بل نص داخلي. إنها امتداد لحواسنا، وتعبير عن حالاتنا النفسية.


التصوير كلغة اجتماعية

في العصر الرقمي، أصبحت الصورة وسيلة للتواصل أكثر من أي وقت مضى. نشاركها، ننتظر التفاعل معها، نعيد نشرها. هذه الديناميكية حولت الصورة من “ذكرى شخصية” إلى “رسالة اجتماعية”. نحن نصمم الصور أحيانًا وفقًا لتوقعات الجمهور، لما نعتقد أنه سيُعجب أو يُدهش أو يُحرك.

هنا، يتداخل الخاص والعام، وتتحول الصورة إلى وسيط ثقافي يحمل دلالات عن الهوية، الانتماء، وحتى الطموحات الفردية.


العدسة كوسيلة لفهم الذات والعالم

ما يلتقطه المصور، وما يهمله، كلاهما يعكسان رؤيته للعالم. فالتصوير ليس فقط ما نختاره أن نراه، بل ما نختار أن نحكيه. حين نصور، نحن نعيد ترتيب العالم من حولنا وفق إحساسنا به، ونمنحه معنى بصريًا خاصًا.

المقال يدعونا لأن نكون أكثر وعيًا بهذا الفعل البسيط الذي نقوم به كل يوم: ضغط زر. أن نتساءل: لماذا هذه الصورة بالذات؟ ما الذي أردت أن أحفظه، أو أعبّر عنه، أو أُشعر به الآخرين؟


ختامًا: نحو وعي بصري جديد

في عصر الصورة، بات التصوير أحد أبرز أشكال التعبير المعاصر. وفهم دوافعنا خلف كل صورة يتيح لنا استخدام الكاميرا ليس فقط كأداة تسجيل، بل كمرآة ومكبر صوت ودفتر يوميات بصري.

إن النظر إلى التصوير من هذا المنظور يحررنا من سطوة “الصورة الجميلة فقط”، ويدعونا للبحث عن “الصورة الصادقة” – تلك التي تشبهنا، وتقول شيئًا حقيقيًا عنا.

اذكر الله
Scroll to Top