حين تتحدث الصورة: التصوير الفوتوغرافي كأداة في البحث التربوي

في السنوات الأخيرة، لم يعد البحث التربوي حبيس الأسئلة المغلقة والاستبيانات. بل بدأ يتجه نحو أدوات أكثر تعبيرًا وإنسانية، من بينها: الصورة الفوتوغرافية.
مقال أكاديمي بعنوان “تغيير الإطار: استكشافات نظرية ومنهجية للتصوير في البحث التربوي” يناقش كيف يمكن للصورة أن تكون أكثر من وسيلة إيضاح، لتصبح أداة بحثية تُنتج معرفة وفهمًا معمّقًا.


التصوير في قلب البحث، لا في هامشه

يرى الباحثون أن الصورة لم تعد فقط “توضيحًا بصريًا” أو مادة مرافقة للنص، بل أصبحت أحيانًا وسيلة مركزية لجمع البيانات وتحليلها.
فعندما يُطلب من المشاركين في بحث تربوي تصوير مشاهد من حياتهم المدرسية أو تجاربهم التعليمية، فإنهم لا يعبرون بالكلمات فقط، بل يروون قصصهم بصريًا – أحيانًا بصورة واحدة تتجاوز ألف كلمة.


لماذا الصورة؟

الصورة تُعبّر عن مشاعر، سياقات، وتفاصيل لا تُلتقط بسهولة بالكلمات.
التلميذ الذي يصور زاوية في مدرسته قد يكشف عن شعوره بالأمان – أو العكس – من دون أن يقول شيئًا.
المعلم الذي يصور تفاعل طلابه قد يُعبّر عن فلسفته التعليمية من دون كتابة فقرة واحدة.

الصورة تمنح المشاركين صوتًا مختلفًا، وتعزز مفهوم “المعرفة المتجسدة” – تلك التي تأتي من التجربة الحسية، لا فقط من الفكر المجرد.


تحديات أخلاقية ومنهجية

رغم جمال الفكرة، يطرح المقال عددًا من التحديات:

  • الخصوصية: كيف نضمن عدم انتهاك خصوصية من يظهرون في الصور؟

  • التفسير: من يملك حق تفسير الصورة – المصوّر أم الباحث؟

  • السياق: كيف نُحلل صورة دون أن نُسقِط عليها معاني قد لا يقصدها صاحبها؟

الباحثون يشددون على أهمية “التحليل التشاركي” – أي أن يكون للمشاركين دور في شرح صورهم، وليس فقط تقديمها كبينات خام.


الصورة كبوابة لفهم أعمق

الصورة قد تكشف فجوات في البيئة التعليمية، أو تضيء ممارسات ناجحة لا يلاحظها أحد.
في دراسة حالة، التقط تلميذ صورة لطاولة مكسورة في فصله – صورة عادية ظاهريًا، لكنها فتحت نقاشًا طويلًا حول الإهمال، الشعور بالتهميش، وتأثير ذلك على الحافز الدراسي.

في مثال آخر، التقطت معلمة صورة للحائط الذي يعلّق عليه الطلاب أعمالهم، وتحدثت عن كيف أن “الاعتراف البصري بجهد الطالب” هو بحد ذاته أداة تعليمية.


خاتمة: الصورة كأداة نقدية وتحريرية

الصورة ليست فقط تمثيلًا للواقع، بل أداة لإعادة النظر فيه، نقده، وربما تغييره.
حين تُستخدم في البحث التربوي بوعي ومنهجية، تتحول الصورة من “زينة” إلى “وسيلة إنتاج معرفة”، ومن “لقطة” إلى نافذة على التجربة الإنسانية.

اذكر الله
Scroll to Top