ظلّ القلعة القديمة
على امتداد الساحل الهادئ، حيث يتكئ البحر على كتف الجبال، تقف القلعة القديمة مثل قصيدةٍ من حجرٍ وسرّ. لا أحد يعرف على وجه اليقين من بناها، ولا لمن كانت تُرفع الأعلام فوق أسوارها، لكنها هناك منذ قرون، شامخة كذاكرة لا تنام. صخورها حمراء داكنة، كأنها احتفظت في مسامها بحرارة المعارك التي خاضها الزمن، وبملح الدموع التي ذرفها المارين على شرفاتها.
حين تقترب منها، تشعر أن الهواء نفسه يتبدّل، وأنك تدخل عالماً من الغموض والسكينة في آنٍ واحد. الممرّ الحجري الضيّق الممتدّ تحت الأقواس كأنه طريق إلى الماضي، تتسلّل إليه خيوط الشمس المتكسّرة على سطح البحر، فتُرسم على الجدار ظلال تشبه أرواحًا تمشي إلى جوارك دون صوت. كل حجرٍ هنا يبدو كأنه يحرس سراً، وكلّ زاوية تروي حكايةً لم تكتمل.
البرج الصغير المطلّ على البحر كان يومًا موقع الحراسة، واليوم صار شاهدًا على تحوّل الزمن. من هناك ترى البيوت البيضاء على الجانب الآخر، وامتداد النخيل على الرصيف، لكن القلعة لا تُشبه شيئًا من هذا الحاضر الهادئ؛ فهي تنتمي إلى زمنٍ كانت فيه المرافئ تمتلئ بالمراكب الخشبية، وكانت القلوب تُبحر نحو المجهول بشجاعةٍ لا تُفسَّر.
يقال إنّ القلعة كانت مأوى لعاشقين هربا من الحرب، وأن صدى ضحكهما ما زال يطوف مع الموج كل مساء. ويقال أيضاً إنّ أحد الفرسان اختبأ فيها في ليلة عاصفة، فلم يخرج بعدها أحد. لكن مهما اختلفت القصص، تبقى القلعة شاهدة على ما لا يُقال، فهي لا تنكر ولا تبوح، بل تكتفي بأن تصغي للموج حين يلامس جدرانها كما لو كان يواسيها.
الطريق الحجري أسفلها يشبه دربًا نحو الذاكرة. كل خطوة عليه تُحدث صدى، وكل صدى يعيدك إلى زمنٍ لا تملكه. في الظلال، تتداخل رائحة الطحلب مع ملح البحر، ويُخيّل إليك أن الزمن توقف هنا احتراماً لجمال الصمت.
حين تمشي بمحاذاة الجدار المائل نحو البحر، تلمح في المسافة زرقة الأفق، وتدرك أن القلعة ليست أطلالًا فحسب، بل مرآة، تُريك وجهك حين تقترب من حدود الحلم. وفي لحظةٍ نادرة، حين يتلاقى ضوء الغروب مع الحجر العتيق، تشعر أن المكان يستعيد نبضه، وأنّ كلّ ما مضى ما زال حيًّا، يتنفّس في أنفاس الموج ويبتسم لك من بين شقوق الجدار.
إنها ليست قلعةً فقط، بل ذاكرة صلبةٌ من صخورٍ وسماء، حفظت ما نسيه البشر، وبقيت تحرس البحر بصمتٍ يشبه الحكمة.