حكاية الساعة المعلّقة
في زاويةٍ من بيتٍ قديم، على جدارٍ يحتفظ برائحة الماضي، تتدلّى ساعة نحاسية بوجهٍ مستديرٍ يشبه القمر في ليلةٍ منسية. تتدلّى برفق، لا تزعج أحدًا، لكنها لا تكفّ عن مراقبة كلّ ما يحدث في المكان. عقرباها يتحرّكان ببطءٍ يليق بزمنٍ يعرف قيمة الانتظار.
كانت الساعة شاهدةً على أعمارٍ تعاقبت، ووجوهٍ مرّت هنا ثم غابت. ذات يومٍ كانت الأصوات تملأ البيت، وضحكات الأطفال تتقاطع مع حفيف النباتات المعلّقة قربها. كانت الأمّ تنظف الغبار عنها كل صباح، وتقول: “ما دام الزمن يتحرّك، فالحياة بخير.”
لكنّ السنوات مضت كنسمةٍ ثقيلة، خفّت فيها الخطوات، وسكتت الضحكات. صار البيت أكثر صمتًا، إلا من صوت “تك… تك…” الذي تقطعه الساعة بإصرارٍ عنيد. لا تكلّ، لا تتذمّر، فقط تمضي. حتى الغبار الذي يحاول أن يغطيها، تزيحه نبضات عقربيها المتواصلة، كأنها ترفض أن تُنسى.
في الليل، حين يغفو كل شيء، تهمس عقاربها بحوارٍ خفيّ:
“كم من حلمٍ علق في جدران هذا البيت؟ كم من وعدٍ لم يُكتب له أن يُوفى؟”
لكن لا أحد يسمعها. وحدها الزهور القريبة منها تلتفت نحوها بخفةٍ، كأنها تفهم لغتها.
ومع كل فجرٍ جديد، تفتح الساعة عينيها الدائريتين على العالم، تنظر إلى الضوء المتسلل من النافذة وتبتسم بصمت. لا تخبر أحدًا بأنها كانت هنا عندما بكوا، وهنا عندما ضحكوا، وهنا حين غادروا دون عودة.
لقد تعلّمت أن الزمن لا ينتظر أحدًا، لكنه يترك فينا أثره كما تترك الريح شكلها على الرمال. وربما، حين يأتي أحدهم يومًا ويراها صدفةً على هذا الجدار، سيظنها مجرّد ساعةٍ قديمة. لكنه لن يدري أنها تحفظ داخلها قلب بيتٍ كان يومًا ينبض بالحياة.