حذاء القشّ
في زاويةٍ من كوخٍ خشبيٍ قديم، وُضع الحذاء المصنوع من القشّ كأنّه قطعة من ذاكرةٍ بعيدة. مائلٌ قليلاً، يوشك أن ينحني على نفسه من التعب، ومع ذلك يبدو شامخًا، كما لو أنّه يحتفظ في داخله بخطواتٍ لا تُنسى.
كان الجدّ يصنعه في ليالي الشتاء الطويلة، حين يلتفّ الأطفال حول الموقد، ويُصغي الجميع إلى صوت الريح وهي تنوح خلف الجدران. كانت يداه الخشنتان تتحركان بخبرةٍ وحنان، ينسجان القشّ خيطًا فوق خيطٍ، كأنّهما تنسجان الدفء في قلب البرد.
كان يقول مبتسمًا: “هذا الحذاء لا يقي من المطر فحسب، بل يذكّرك بأن الأرض هي أمّك الأولى، وأنك لا تمشي فوقها… بل معها.”
كم من دربٍ عبره هذا الحذاء؟ كم من ثلجٍ وندى لامس أطرافه؟ حمل صاحبه إلى الحقول في الصباح، وإلى السوق في المساء، وإلى قبور الأحبة حين تغدو الأرض أكثر صمتًا من الكلام.
وحين شاخ الجدّ، ظلّ الحذاء قرب الباب، ينتظر خطوته الأخيرة التي لم تعد. ذبل القشّ وتفتّت بعضه، لكنّ شكله بقي كما هو، كأنه يصرّ على البقاء حارسًا للحنين.
اليوم، يقف الحذاء في العتمة، بلا قدمٍ تحمله، لكنه لا يزال يحكي قصته لكل من يمرّ بجانبه — عن زمنٍ كان الناس يصنعون أشياءهم بأيديهم، ويضعون فيها قلوبهم، حتى في أبسط ما يلبسون.
إنه ليس مجرّد حذاءٍ من القشّ، بل خطوةٌ محفوظة في ذاكرة الأرض، تذكّرنا أن البساطة ليست فقرًا… بل امتنانًا لما تبقّى من الدفء في هذا العالم.