سلالم الذاكرة
على درجاتٍ خشبيةٍ قد أكلها الغبار ونامت عليها الظلال، تصطفّ أحذيةٌ مهترئة كأنها وجوهٌ لأزمنةٍ أنهكها المسير. لم يبقَ فيها من الحياة سوى رائحة العرق العالق بين ثنايا الجلد، وشيءٌ من دفءٍ تسرّب من أقدامٍ كانت تمشي ذات يومٍ في شوارعٍ لم تعد تعرفها. تتكئ الأحذية على الخشب بصمتٍ متعب، كأنها تستعيد أنفاسها الأخيرة بعد رحلةٍ طويلةٍ في دهاليز الأرض.
أولها صغيرٌ كابتسامةِ طفلٍ لم تكتمل، تلمع في أطرافه آثار الطين وكأنّه كان يركض خلف فراشةٍ سقطت على عشبٍ مبلول. بجانبه حذاءٌ آخر أوسع قليلاً، مطويٌّ من المقدّمة، كأن صاحبه كان يتعثّر كثيرًا، ثمّ يضحك ويواصل الطريق. وعلى الدرجة الثانية أحذية الرجال، غليظةٌ متشققة، تشهد على أيادٍ حفرت في التراب وبنت بيوتًا من التعب. يبدو أحدها مفتوح الفم، كأنه يريد أن يقول شيئًا ولم يجد من يسمعه.
أما الحذاء الوحيد على الدرجة العليا، فيقف شامخًا، رماديًّا، متكلّسًا بالصمت، كأن صاحبه خرج يومًا ولم يعد. ربما مضى إلى جبهةٍ بعيدة، أو إلى منفى لا بريد له. ترك أثره هنا، ومضى حافيًا في ذاكرة الذين أحبّوه.
كلّ درجةٍ من هذا السُّلّم ليست خشبًا، بل زمنًا متراصًّا، يحمل فوقه أعمارًا متراكمة. بين شقوقه تختبئ حكايات، وداخل كلّ نعلٍ بقايا يومٍ منسيّ. هنا عبروا نحو العمل، وهنا عادوا ليلًا يحملون خبزهم وإرهاقهم، وهنا جلس أحدهم ذات مساءٍ يربط خيط حذائه المهترئ وهو يحدّث ابنه عن الغدّ الذي لم يأتِ.
تسأل نفسك وأنت تنظر إليهم: هل يمكن للخطوات أن تبقى بعد رحيل الأقدام؟
يجيبك الصمت برائحة الجلد القديم… برفّةِ غبارٍ تسقط من أعلى الحذاء إلى أسفله، كأنّها تنهيدة من زمنٍ بعيد.
الخشب يئنّ تحتهم كأنّه لا يحتمل كلّ هذا الثقل الرمزيّ — ثقل التعب، وثقل الذاكرة. الضوء الذي يتسلّل من نافذةٍ صغيرةٍ في السقف يهبط عليهم مثل يدٍ حنونٍ تربّت على وجوههم المرهقة.
تلمع أطراف بعض الأحذية، لا بفعل اللمعان، بل بفعل الزمن الذي صقلها بالخذلان.
هناك في الركن، حذاء صغير فقد فردته الأخرى. يقف كأنه ينتظرها منذ سنين، كمن ينتظر صديقًا عاد ليأخذه من النسيان.
وفي الأسفل، زوجٌ من الأحذية النسائية الممزقة من الخلف، يهمس بعبق خطواتٍ كانت تمرّ كلّ صباحٍ على نفس الطريق، تشتري الخبز، وتوزّع السلام على الجيران.
يا لها من مقبرةٍ للرحلة الإنسانية!
كلّ زوجٍ من هذه الأحذية سيرةٌ من العرق والدمع، وكلّ خيطٍ ممزق فيها يحمل ذاكرةَ تعبٍ لم يُدوّن في الكتب.
إنها ليست مجرد أحذية قديمة، بل مرافئ تعبٍ وخرائط وجع، وخطى بقيت لتدلّ على من كانوا، حين لم يبقَ منهم سوى أسماءٍ لا أحد ينطقها.
في هذا المشهد الساكن، تبدو الدرجات الخشبية كأنها سلّمٌ يصعد نحو السماء، والنعال القديمة كأنها أرواح تصطفّ بانتظار من يناديها:
تعالوا… لقد حان وقت العودة إلى الأرض التي مشتكم يومًا، وأحبتكم بصمت.
هكذا تتحدث الأشياء حين نصمت،
وهكذا تبقى الأحذية القديمة شاهدةً على إنسانٍ لم يكن عابرًا، بل خطوةً طويلةً في ذاكرة الوجود.