أنفاس الحديد
في قلب المدينة، حيث تمتزج السماء بالرماد، تقف المصانع كوحوشٍ من صلبٍ وذكريات. مداخنها العالية تخرّ أنفاسًا ثقيلة، دخانًا يتلوّن بلون الغروب، كأنّها تنفث تعب الأرض بعد يومٍ طويلٍ من الاحتراق.
إنها المدينة التي تصنع كلّ شيء… وتستهلك نفسها في الصنع.
تحت كلّ برجٍ من تلك الأبراج العملاقة، حياةٌ لا تُرى. رجالٌ يرتدون الخوذات، وجوههم مغطاة بطبقةٍ من السخام، يحرّكون الأزرار كمن يحرّك نبضًا يتعب ولا يتوقّف. يبدؤون مع أول ضوءٍ للشمس ولا يعرفون الليل إلا من رائحته. في عروقهم يسري صوت المحركات بدل الدم، وفي أعينهم تلمع شرارات الحديد كما لو كانت بقايا نجمٍ سقط من السماء.
الهواء هنا ليس نقيًا، لكنه حيّ. يزفر من عمق الأرض صخبًا، ويمتزج الدخان بالغيوم حتى لا يعرف أحدٌ أين تنتهي الطبيعة وأين يبدأ الإنسان. كلّ مدخنةٍ تشبه قلبًا نابضًا، يضخّ الحياة في المدن البعيدة، ويقذف في المقابل رماده في صدر السماء.
من بعيد، يبدو المشهد جميلاً كلوحةٍ ملوّنةٍ بالنار والذهب، لكنّ الجمال هنا ليس بريئًا. هو جمال القوة، جمال الألم الذي يصنع الأشياء.
وربما، لو اقتربت أكثر، لسمعت أنين الحديد حين يُصهر، وصوت الأرض وهي تئنّ تحت وطأة الماكينات. كلّ حجرٍ في هذا المكان يعرف معنى التضحية، وكلّ غيمةٍ فوقه تعرف ثقل ما تحمله من رمادٍ بشريّ.
ورغم كل ذلك، يبقى المشهد مذهلًا:
شمسٌ تختبئ خلف الدخان كعروسٍ خلف نقابٍ من غبار،
ومداخن تمتد نحو السماء كأصابع تستجدي الغفران.
هنا تتقاطع مأساة الإنسان مع عبقريته.
هنا يولد الضوء من قلب النار،
وتدفع الأرض ثمن تقدّمنا بصمتٍ نبيل.
في المساء، حين تهدأ الأصوات، تبقى المداخن تهمس:
“لقد منحناكم الدفء… لكننا سرقنا منكم السماء.”
وهكذا تمضي المدينة إلى الغد،
تحمل في صدرها دخان الأمس،
وفي عينيها حلمًا لامعًا…
يُشبه غروبًا من نارٍ وذهب.