سيمفونية العطر واللون
ما إن تخطو إلى الداخل حتى تشعر أنك لم تدخل متجرًا، بل عالمًا من الحواس، مسرحًا تتراقص فيه الألوان على أنغام الروائح. إنّه سوق التوابل، ذاكرة المدن القديمة حين كانت تتبادل الطيب بدل الحروب، وتبني حضاراتها على رائحة الزعفران والقرنفل والهيل.
الهواء هنا ليس هواءً، بل مزيجٌ من تاريخٍ ونكهةٍ ودهشة. تتصاعد منه أنفاس القرفة، تمتزج مع دفء الفلفل الأحمر، ويتسلّل بينهما خيطٌ ناعمٌ من عطر الورد المجفّف. كلّ رائحةٍ تحكي رحلة: من صحراءٍ سارت فيها القوافل ليلًا، إلى ميناءٍ امتلأت أرصفته بأكياسٍ من البهار والحكايات.
صفوف الجرار الزجاجية مصطفّة بعنايةٍ تليق بقدسية اللون. هذا أصفر كالشمس حين تستيقظ على صحراءٍ نائمة، وذاك أحمر يشبه قلب الشرق حين يغضب، وآخر بُنّيٌّ كالأرض بعد المطر. لا أحد يمرّ هنا دون أن يتذكّر طعام الأمّ، أو دفء البيوت حين كانت الروائح تغني قبل أن تنطق الألسنة.
في الزاوية، رجلٌ مسنٌّ يجلس خلف ميزانه النحاسيّ، يداعب الأرقام كما يداعب العازف أوتار عوده. يعرف من النظرة ما تريد، ومن رائحة العود أن يُخمن مزاجك.
يسألك بصوتٍ هادئ:
ـ قليل من الزعفران؟ أم تفضّل نكهة الشرق التي لا تُنسى؟
ثم يملأ الكفّ بوردةٍ يابسةٍ من القرنفل، يضعها في يدك ويقول: “شمّها… ستسمع صوت البحر في عمقها.”
تتدلّى من السقف سلاسل من الفلفل والنعناع والباذنجان المجفّف، كأنّها عناقيد من الشمس المعلّقة. في أعلاها تتراقص خيوط الضوء الذهبي، تلمع فوق التوابل فتبدو وكأنّها ذهب الأرض المطحون، لا يُقدّر بثمنٍ إلا لمن يعرف معناه.
كلّ شيءٍ هنا يتنفّس الحياة: الألوان، الروائح، الأصوات، حتى الغبار الذي يطفو في ضوء المصابيح يبدو جزءًا من المشهد، كأنّه بخور الزمن.
وحين تغادر المكان، لا تخرج فارغ اليدين — فالرائحة تتبعك كظلٍّ وفيّ،
تلتصق بثيابك وتستقرّ في روحك،
تذكّرك بأنّ العالم، مهما تغيّر،
ما زال يحتفظ بطعمه الأول…
بطعم الحياة حين كانت تُقاس برائحة البهار، لا بثمنه.