القطار الأخير في صحراء النسيان
يمتدّ السكون على الصحراء كعباءةٍ من الغبار، لا يُسمع فيها سوى أنين الريح وهي تمشط وجه الرمال، حين يطلّ القطار وحيدًا، صدئًا، كأنّه خرج من ذاكرةٍ نسيها الزمن. لونه بين الأصفر والبني، لون الشمس حين تشيخ وتجلس على ركبتيها عند الغروب.
العجلات تئنّ على السكة الحديدية، تصدر صوتًا كأنّه نبضُ الأرض القديمة التي لا تزال تصغي لحكايات الرحلة الأولى. لا ركّاب في داخله، لا أصوات ولا ضحكات، فقط صدى المقاعد الفارغة، ونافذةٌ مفتوحة تلوّح للفراغ.
كان هذا القطار ذات يومٍ يحمل العشّاق، والجنود، والمسافرين الذين كانوا يظنون أنّ الطريق نهايةُ الحلم لا الحلمُ ذاته. كانوا يغنّون على متنه، يتركون روائحهم على المقاعد الخشبية، وأمنياتهم في جيوب الريح. لكنّ الزمن غيّر كلّ شيء. صار الطريق أطول، والمسافرون أقل، والقطار ظلّ يسير لأنّ التوقف بالنسبة له موتٌ.
تمرّ أمامه الجبال البعيدة كأشباحٍ من حجر، تراقبه دون أن تقترب، فيما تتطاير حوله أعشابٌ جافة تشبه الذكريات — لا تموت، لكنها لا تنبت.
كلّ غيمةٍ تعبر السماء تنظر إليه لحظةً ثم تمضي، كأنّها تقول له: “ما زلت هنا؟ أما آن أن ترتاح؟”
لكنه لا يسمع. الحديد لا يشيخ، بل يواصل السير حتى بعد أن ينساه أصحابه.
في مقدّمته، سائقٌ عجوز يحدّق في الأفق، لا يعرف إلى أين يذهب، لكنه يعرف أنه لا يستطيع العودة. في عينيه تعبُ الرحلة كلّها، وفي قلبه صبرُ الرمال التي لا تشتكي العطش.
كلّ محطةٍ يمرّ بها خالية، وكلّ صرخةِ بوقٍ تذوب في الفراغ كما يذوب الحلم في الصحو.
إنّه القطار الذي لم يعد يسافر بأحد، بل يسافر من أجل نفسه، بحثًا عن المعنى في طريقٍ لا نهاية له.
كأنّ الصحراء اختارته لتكتب من خلاله قصيدة الوحدة،
قصيدة الحديد الذي لم يخن الذاكرة رغم الصدأ،
والطريق الذي ظلّ وفيًّا لخطّه المستقيم، حتى وهو يمرّ في قلب التيه.
وفي الأفق، حين تبدأ الشمس بالانحدار،
يبدو القطار كظلٍّ طويلٍ لزمنٍ رحل،
لكنّ صوته البعيد يظلّ يذكّر الأرض
أنّ كلّ مسافرٍ، حتى لو لم يعد، يترك أثر سَيره على الرمل.