معبد الزمن
على هذا الجدار، لا تُعلّق الساعات لتخبرنا عن الوقت، بل لتُذكّرنا أننا نحن الذين نُعلَّق عليه. إنّه جدارٌ ليس كغيره من الجدران، يُشبه صدراً عجوزاً ينهض عليه التاريخ بكلّ تجاعيده، تتوزّع عليه الساعات كما تتوزّع الذاكرة على فصول العمر. كلّ ساعةٍ منها تحمل هيئةً مختلفة وصوتاً خاصاً، بعضها يهمس كأنّه يُصلي، وبعضها يصرخ كما لو أنّه يخاف الصمت، وبعضها يكتفي بالتحديق في الفراغ، كعجوزٍ نسي اسمه لكنه ما زال يتذكّر كيف كان يحبّ.
الخشب المصقول يلمع كأنه جلدٌ احتفظ بحرارة الأيدي التي صاغته منذ زمنٍ بعيد، والزخارف تلتفّ حول وجوه الساعات كما تلتفّ الكروم على أطلالٍ مهجورة. أما العقارب، فهي تسير لا نحو المستقبل ولا إلى الماضي، بل في مدارٍ أبديٍّ حول الفكرة نفسها: أن لا شيء يمضي حقاً، وأن كل ثانيةٍ تُعيد ولادة التي قبلها.
كل ساعةٍ في هذا المعبد كائنٌ يئنّ بصمت، يشهد على حياةٍ مرّت تحته — على ضحكةٍ انطفأت في منتصف النهار، أو قبلةٍ ضاعت قبل أن تكتمل. عقاربها الرفيعة تمشي على وجوهها بخطى تشبه أصابع حنونٍ تلامس جرحاً قديماً، بينما الأرقام الرومانية تتوزّع على المينا كجنودٍ متعبين، يحرسون الوقت من الهروب.
حين تطيل النظر، تشعر أن هذه الساعات لا تكتفي بقراءة الزمن، بل تُعيد ترتيبه: واحدة تُعيدك إلى طفولتك حين كانت الدقائق أطول من الحكايات، وأخرى تذكّرك بليلٍ ساهرٍ لم يُرد أن ينتهي، وثالثة تنقر كقلبٍ عاشقٍ يصرّ على البقاء حيّاً رغم التعب.
في هذا الجدار، يتجاور الخشب والنحاس والزجاج كأنها عناصر الوجود الثلاثة: الجسد والذاكرة والشفافية. هناك انسجامٌ مهيب، صامتٌ، عميق، يجعل المتأمل يشعر أنّه أمام سيمفونية بصرية، كل عقربٍ فيها وتر، وكل ثانيةٍ نبضة، وكل اهتزازٍ موسيقى خفيّة للعمر وهو يمرّ متخفياً بين الضوء والظل.
في النهاية، لا شيء يتحرّك سوى الظلال. الزمن هنا لا يمشي… بل يتأمل نفسه.
إنه يقف أمام مرآةٍ خشبيةٍ مُذهّبة، يرى فيها وجوهنا تمرّ، يسمع دقّاتنا الصغيرة، ثم يبتسم بهدوءٍ ويقول:
“أنتم الساعات، وأنا الجدار.”