قصر الضوء
تبدو القاعة في الصورة كأنها معزوفة معمارية خُلقت من حلمٍ ذهبيٍّ وتحوّلت إلى واقعٍ يتنفّس الجمال. الضوء يتسلّل عبر النوافذ الملوّنة كأنه موسيقى من زجاج، يتكسر على الأرض في آلاف الألوان التي ترقص فوق الرخام المصقول، كرقصةِ لهبٍ في معبدٍ من الفخامة. كلّ شبرٍ في المكان يحمل ذاكرة يدٍ نحّاتٍ لم يعرف التعب، وكلّ انحناءةٍ في الدرج تنبض بفكرة الخلود.
السلالم الملتفّة تُشبه نهراً من حريرٍ أحمر يصعد نحو السماء، يُغري العين بأن تتبعه دون أن تعرف إلى أين تمضي. الدرابزين الذهبيّ يلتفّ برقةٍ حول الدرج كأنّه يضمّ الصاعدين إليه، بينما الجدران تزدان بزخارف تحكي حكاياتٍ قديمة عن ملوكٍ رحلوا وظلّت ظلالهم تسكن المكان. النوافذ ليست مجرّد فتحاتٍ للضوء، بل أرواحٌ من زجاجٍ ملوّن، تروي قصص الفجر حين يقبّل وجوه القدّيسين المرسومة عليها.
الأرضية كبحيرةٍ من ياقوتٍ وأحجارٍ كريمة، تعكس الألوان كأنها تحفظ إشراق العالم كله في سطحها اللامع. كلّ لونٍ فيها يتجاور مع الآخر بسلامٍ نبيل، كما لو أنّ الفنّ هنا تجاوز حدود الجمال ليصبح صلاةً صامتةً للضوء. أما السقف، فهو سماءٌ مصغّرة، تزدان بالملائكة والغيوم، وكأنّ القصر يرفع رأسه نحو الأبد.
في هذا المكان، لا يُقاس الجمال بالمتر أو بالزخرفة، بل بالإحساس الذي يملأ الروح حين يتأمل المرءُ كيف يُمكن للإنسان أن يبني من الحجارة موسيقى، ومن الزجاج صلاة، ومن الضوء ذاكرة.
إنه قصر لا يسكنه أحد، لأن من يدخله يشعر أنه دخل قلبَ الجمال ذاته، وأن كلّ ما عداه… مجرد ظلٍّ يتبع الضوء.