أنفاس الحديد
تبدو الصورة كأنها الترجمة البصرية لحلم الإنسان بالسيطرة الكاملة على الفوضى. المكان مهيب، منظم إلى حد الرهبة، كلّ شيءٍ فيه يتحرك بانضباطٍ أشبه بالطقوس المقدّسة. الأذرع الحمراء المعدنية تلتفّ حول هياكل السيارات كما تلتفّ أذرعُ القدر حول مصيرٍ يتكوّن، تُمسك، وتلحم، وتثبّت، وتنفث شراراتٍ من الضوء الصارخ. الشرر ليس ناراً بل قصيدة من طاقةٍ نقيّة، تكتب على سطح المعدن سطوراً من الدقّة والإتقان.
في هذا المصنع، لا مكان للعشوائية. كلّ ذراعٍ تعرف تماماً اللحظة التي يجب أن تتحرك فيها، الزاوية التي يجب أن تنحني إليها، والنبضة التي تفصل بين فعلٍ وفعل. كأنّها عازفات في أوركسترا فولاذيةٍ هائلة، لا يقودها مايسترو من لحمٍ ودم، بل خوارزمية خفيّة لا تُخطئ الإيقاع أبداً.
تلمع الأسطح المعدنية تحت ضوءٍ أبيضٍ حادّ، يمتزج فيه البريق بالصرامة.
الرائحة خليطٌ من الحديد الساخن والزيت، ومن إحساسٍ غامضٍ بأن شيئاً أكبر من الإنسان يُعاد خلقه أمام عينيه.
كلّ سيارةٍ تمرّ في هذا النهر الصناعي تخرج من رحمٍ واحد، لكنها تختلف في مصيرها؛ بعضها سيحمل عائلةً إلى فرحٍ ما، وبعضها سيعرف طريقاً مليئاً بالأخطاء، وربما الموت. ومع ذلك، هنا في لحظة التكوين، تتساوى جميعها أمام عيون الآلات — صامتة، خالية من المعنى الإنساني، لكنها ممتلئة بالغاية.
الإنسان في هذا المشهد لا يختفي، بل يتحوّل. لقد نقل نفسه من موقع الحِرَفِيّ إلى موقع الخالق المراقب، من يده إلى عقله. إنه هنا ليس ليمسك المطرقة، بل ليملي الأمر على الذراع التي لا تتعب، والتي لا تشكو، والتي لا تُخطئ. ومع ذلك، ثمة شيء غائب — أنفاس الحياة التي كانت تخرج من الحداد القديم وهو يصهر الحديد بعرقه وصبره. لقد أصبح العرق الآن كهرباء، والصبر زمن معالجةٍ رقميٍّ في ذاكرة آلة.
ورغم ذلك، يظلّ للمشهد سحره الغامض:
إنه مزيجٌ من الجمال والرهبة، من الدقة والبرودة، من النور والشرر. كأن المصنع بأكمله كائنٌ معدنيّ ضخم يتنفس ببطء، يتغذّى على الكهرباء ويُنتج الحركة. يسمع المرء فيه نبضاً غريباً لا يشبه نبض القلب، بل نبض المستقبل — مستقبلٍ لا لحم له ولا دم، لكنه يعرف كيف يبني العالم من جديد، بيدٍ حديديةٍ وروحٍ خوارزميةٍ تكتب التاريخ بلغةٍ لا يفهمها سوى الضوء.
إنه المشهد الذي يقف عنده الإنسان وجهاً لوجه أمام صنيعه،
يتأمل الحديد الذي صار يشبهه،
ويُدرك أن كلّ آلةٍ تحمل في عمقها ظلّاً من قلبه…
حتى وإن كان هذا القلب من فولاذ.