رجل القاطرة
داخل مقصورةٍ ضيقةٍ تلتهمها رائحة الحديد والزيت، يجلس رجلٌ يطلّ بعينين تكسوهما طبقة من الزمن، يراقب الطريق من خلف زجاجٍ مستديرٍ تتسرب منه خيوط الضوء كأنها ذكريات. كل شيء حوله ينبض بحياةٍ ميكانيكيةٍ قديمة: الصمامات تصدر أنينها العميق، العتلات تئنّ عند اللمس، والمقابض المعدنية تحكي قصصًا عن آلاف الرحلات التي مرّت من هنا.
وجهه متّشحٌ بلون الفحم، يداه قاسيتان كجلد الأرض، لكن في ملامحه سكينة غريبة، سكينة من يعرف أن الزمن يمشي على السكة كما القطار — لا يعود، لكنه يترك صدى العجلات خلفه.
الزي الأزرق الملطخ بالسخام ليس مجرد لباس عمل، بل جلدٌ ثانٍ لرجلٍ التصق بالآلة حتى صار جزءاً منها. أصابعه تعرف ترتيب الأزرار والمقابض كما يعرف القلب نبضه، لا يحتاج أن ينظر، يكفي أن يصغي لصوت الحديد كي يفهم ما يريد القطار قوله.
خارج النافذة تمتد الحقول في صمتٍ ذهبيّ، والشمس تغسل العشب بوهجٍ خفيفٍ يشبه الحنين.
أما داخل المقصورة، فالعالم مختلف: ضوضاءٌ عتيقة، حرارةٌ خانقة، ودخانٌ يلتفّ حول الرأس كفكرةٍ لم تكتمل. ومع ذلك، ثمة دفءٌ إنسانيٌّ يملأ المكان — دفءُ الانتماء لشيءٍ بسيطٍ لكنه حقيقي.
الرجل لا يتحدث، لكنه يحمل في صمته لغة الرحلة.
كل نظرةٍ إلى الطريق هي حكاية، وكلّ صفيرٍ يطلقه القطار نداءٌ إلى مدينةٍ كانت، أو إلى وجهٍ ينتظره عند محطةٍ لا يعرفها إلا قلبه.
هو آخر جيلٍ من الحالمين الذين قادوا الحديد كما تُقاد الخيول، لا يجرّهم الطمع، بل الشغف.
القطار يمضي، والسكك تمتدّ كخطوط العمر، والرجل باقٍ في مكانه،
يحرس الزمن بعينٍ تذوب فيها المسافات،
ويبتسم في داخله،
كأنما يقول:
“لم أكن أقود قطاراً فقط… كنت أقود عمري بأكمله على سكةٍ من نارٍ وحلم.”